فهم عامة الناس للعلوم الشرعية في المجتمع

كلتا وسائل الإعلام الجماهيري ووسائل التواصل الاجتماعي نطاق عامّ للخطاب الإسلامي. وإذا ما نظرنا إلى نماذج الأحكام الفقهية المنتشرة انتشارًا واسعًا عبر هذه الوسائل الرقمية فسنلاحظ أنّ الفقهاء أنفسهم، دائمًا تقريبًا، لا يقرّون بشرعيتها، كما لا يقرّ بها عموم الناس. ومع كلِّ ذلك، تنتشر هذه المواد، وكثيرًا ما تُطرح على أنّها من العلم المقبول عند سواد الناس، مما يؤدّي إلى سوء فهمٍ للإسلام والمسلمين والعلوم الشرعية. في الوقت نفسه، المواد التي يعدّها الفقهاء شرعيةً ، والمقبولة عند فئات كبيرة مهمة من المسلمين لا تلقى انتشارًا، ومن ثمّ لا تكاد تؤثّر على إدراك عامّة الناس.
يعرض الباحث موسى فيربر ورقته التحليلية عن هذه الإشكالية وأطروحته لتفسير أسباب حدوثها، والأعمال المقترحة لعلاج المشكلة. سيلي ذلك نقاش مفتوح حول الموضوع.

↓ تحميل البحث
* تتوفر ترجمة فورية إلى العربية

الحقوق والواجبات المتعلقة بالحيوان المملوك

يقع موضوع الحيوان في صميم النقاشات الأخلاقية والقانونية المحتدمة اليوم. وتستعرض هذه الورقة آيات قرآنية وأحاديث نبوية ذات صلة بالحيوان المملوك أو المتّخذ، وتبحث في تطبيق أحد المذاهب الفقهية لهذه الأدلّة من القرآن والسنّة على موضوع الحيوان المملوك. وتجلِّ أيضًا هذه الدراسة الأخلاقية والفقهية بناءً على ذلك المذهب الفقهي جانبًا من الآلية والاستدلال الفقهيين. وهي بمنزلة أساسٍ لفهمِ المنظومة الأخلاقية الإسلامية وتطبيقها على العديد من القضايا المعاصرة المتعلّقة بالحيوانات المملوكة.

سيقدم الباحث موسى فيربر أهم الأفكار المطروحة في هذه الورقة التي نشرتها مؤسسة طابة، ويلي ذلك نقاش مفتوح مع الحضور.

نبذة عن الكاتب
موسى فيربر زميل باحث أول في مؤسسة طابة، درس العلوم الشرعية في دمشق حيث حصل على إجازة في تدريس الفقه الشافعي. ثم درس في دار الإفتاء المصرية في القاهرة حيث أجازه مفتي مصر الشيخ علي جمعة بالإفتاء. وهو يحمل شهادة البكالوريوس في اللسانيات التطبيقية من جامعة بورتلاند الحكومية بأوريغون في الولايات المتحدة، والماجستير في الإدارة العامّة من كلية دبي للإدارة الحكومية.

مؤسسة طابة تنظم ندوة لمحاضر من جامعة ييل حول كتاب الإمام الغزالي: تهافت الفلاسفة

ضمن إطار مبادراتها البحثية والفكرية وإتاحة مساحات من التواصل الأكاديمي والثقافي، عقدت مؤسسة طابة مساء أمس ندوة فكرية تحت عنوان: «تهافت الفلاسفة» للإمام الغزالي وحضوره في البحث الفلسفي عند علماء الأشاعرة والماتريدية، للدكتور إرِك فان لِت، المحاضر بقسم الدراسات الدينية بجامعة ييل الأمريكية والباحث الزائر بمعهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان.

تطرق المحاضر لبعض الأفكار السائدة في دوائر علمية في الشرق والغرب بخصوص كتاب «تهافت الفلاسفة» للإمام الغزالي، موضحًا أنّ الإمام أبا حامد الغزالي على عكس الشائع لم يكن في مقصوده من هذا التأليف هدم الفلسفة أو القضاء عليها، بل أراد إحياء النقاش الفلسفي بطريق النقد والبحث في أخطر قضاياه. كما أظهر المحاضر أنّ كتاب «تهافت الفلاسفة»، على خلاف الشائع كذلك، حاز على اهتمام علماء الكلام الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة. ولكنه نبه في حديثه على خطورة حصر الإسهامات الفكرية لمتكلمي الأشاعرة والماتريدية في نطاق علم الكلام، بل أكّد أنّ لهم كتابات فلسفية هائلة، وأنه لا ينبغي أن تصنف مؤلفاتهم بحسب انتمائهم الفكري في البحث الإسلامي الداخلي، وإنما تعتبر من البحث الفلسفي المتعالي على الخلافات الداخلية بين المدارس الكلامية.

وأيضًا من أبرز ما جاء في محاضرة الدكتور فان لِت أن الكتابات التراثية المتأخرة اشتملت على طرح فلسفي عميق جدير بالإحياء والدراسة. وقد تعرض في حديثه إلى أسباب غفلة المؤرخين للفلسفة الإسلامية من الشرقيين والغربيين عن الدور الكبير الذي قامت به المدارس الشرعية في إنتاج تراث زاخر وفريد من الشروح والحواشي والتعليقات من شأنه أن يساهم في الإجابة عن أسئلة فلسفية عويصة. ومما يلفت الانتباه أن الدراسات المقارنة التي قام بها الدكتور فان لِت بين الكتابات التي أُلفت في خدمة «تهافت الفلاسفة» للإمام الغزالي احتوت على ملاحظة دقيقة للتباينات الطفيفة بين عبارات كل كتاب ودلالة ذلك على تنوع أساليب المؤلفين ومناهجهم.

أدار الحوار بهذه الندوة الأستاذ الباحث أحمد حسين الأزهري، المسؤول عن إحدى المبادرات بمؤسسة طابة، والذي أبرز في حديثه النقاط الرئيسة والمحورية التي تعرض لها الدكتور فان لِت في محاضرته. كما شارك الأستاذ أحمد الأزهري المحاضر التعليق على بعض الأسئلة التي طرحها الحضور. ومن أهم ما جاء فيها الالتفات إلى جوانب الاتفاق والافتراق بين الشرق والغرب في مفهوم الأصالة والإبداع، والتركيز على قيمة التراكم في الإنتاج المعرفي، والتنبيه على أدوات البحث التراثي المعاصر التي تشتمل على استعمال التطبيقات الرياضية والتكنولوجية في تحليل النصوص القديمة. وأشار إلى أن البحث التراثي يتطلب القدرة على تشريح النصوص وتحليل عناصرها بالنظر إلى البناء التنظيمي للمؤلفات التي تحتويها وكذلك بالنظر إلى المصادر التي اعتمدت عليها.

هذا وقد شهدت المحاضرة حضور فضيلة الشيخ خالد عمران أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، والأستاذ الباحث مصطفى ثابت من إدارة الأبحاث الشرعية بدار الإفتاء أيضًا، والدكتورة سونيا لطفي أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر الشريف، والشيخ محمود مرسي باحث الماجستير بجامعة الأزهر الشريف، والشيخ علاء عبد الحميد مدرس الفقه الحنفي والعقيدة بعدد من المراكز التعليمية، والدكتورة أميرة مخلوف المحاضرة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والأستاذ شريف جمال سالم الباحث بالجامعة الأمريكية أيضًا، ومجموعة من الدارسين بجامعة القاهرة وجامعة الأزهر.

المالد في وجدان الإمارات

في أجواء المحبة والتسامح التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة بمناسبة إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف عقدت مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات في العاصمة أبوظبي محاضرة بعنوان: المولد النبوي “المالد” في وجدان الإمارات قدمها الباحث والشاعر ثاني المهيري، وصاحب المحاضرة عرض لوحات فنية تجسد ملامح من المالد للرسام سيف علي السادة.

قدم المهيري عرضا بحضور رئيس مجلس الإدارة الحبيب علي الجفري وعدد من الشخصيات والشباب المهتم بالموضوع عن هذه المناسبة العظيمة التي يحتفل العالم الإسلامي بها بدءا من المصنفات حول سيرته صلى الله عليه وسلم العطرة إلى اكتمال صورة التأليف في مؤلفات المولد النبوي بدءا من القرن الرابع الهجري، وأن للسادة فقهاء المالكية ما يزيد على مائة مصنف تقرأ في هذه المناسبة الشريفة ذكر بعضها الإمام المحدث عبدالحي الكتاني(ت1962) في كتابه “التآليف المولدية” وأورد فيه ما ألفه في ذلك أكابر فقهاء ومحدثي الأمة على مر القرون كالحافظ ابن الجوزي الحنبلي والحافظ العراقي في كتابه المورد الهني والحافظ السخاوي وغيرهم.

استحسن العلماء إقامة المولد منذ أن أقامه في أول الأمر الملك المظفر صاحب إربل وهو صهر السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي وأحد خاصته، قال عنه الإمام الحافظ ابن كثير مادحا: (أحَدُ الأجْوَادِ والساداتِ الكُبَراء، والملوك الأمجاد، لَهُ آثَارٌ حَسَنة،… وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل به احْتِفَالاً هائلاً، وكان مع ذلك شهماً شجاعاً فاتكاً بطلاً عاقلاً عالماً عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه) وقد حضر المولد الذي أقامه جمع من المحدثين والحفاظ والفقهاء واستحسنوا ذلك منهم شيخ دار الحديث الأشرفية المحدث أبوشامة المقدسي (655هـ) رحمه الله.”

ولأهل الإمارات إسهام في هذه التآليف فقد نظم الشيخ عبدالله بن محمد صالح الخزرجي شواهد مولد الإمام البرزنجي وسماه “الشاهد المنجي للمولد البرزنجي”، وقد درس الشيخ عبدالله على عمه الشيخ حسن الخزرجي في دبي وله عدد من المصنّفات في شتى العلوم، وألف غيره من العلماء كالشيخ الوزير محمد الخزرجي رسالة في حكم الاحتفال بالمولد وكذلك الشيخ المحدّث أحمد بن الشيخ محمد نور بن سيف المهيري والشيخ عيسى بن عبدالله بن مانع الحميري وغيرهم.

كما استعرض المهيري الشخصيات التي كانت تقيم فن المالد بدءا من إمارة أبوظبي إلى إمارة الفجيرة مرورا بسائر الإمارات، فقد اعتاد شيوخ ووجهاء أبوظبي ودبي إقامة المولد النبوي في كل عام فمن المجالس الأساسية في إمارة أبوظبي بعد مجلس آل نهيان الذي كان يقيمه الشيخ شخبوط والشيخ زايد بن سلطان رحمها الله في قصر الحصن، ومجلس آل حامد ومجلس العتيبات ومجلس سعادة أحمد بن خليفة السويدي والمرحوم عمير بن يوسف والمستشار السيد علي بن عبدالرحمن آل هاشم.

و أشار إلى أن في فترة الثمانينات توفي الكثير من رواد المالد في أبوظبي وقد كان لأدائهم طابع ولون خاص ومميز، أمثال المرحوم الشيخ محمد بن عبدالله القمزي والسيد عبدالرحيم الهاشمي قاضي أبوظبي والوجيه الشاعر عبدالله بن سليّم الفلاسي ومنهم الشيخ جابر بن راشد الهاملي وثاني بن مرشد الرميثي وراشد بن خلف العتيبة ودرويش بن كرم وغيرهم وبقيت بعض الشلات على ذلك النمط القديم، وما زال السادة الهواشم يتوارثون ذلك محافظين على هذا الموروث.
كما ذكر الأسر التي تقيم المالد في إمارة دبي أمثال آل مجرن والفطيم وعرّف بأهم رواده كالشيخ عبدالرحيم المريد والشيخ أحمد بن حافظ.

المولد عند النساء

إلى جانب إقامة المولد عند الرجال تقيم بعض النساء في إمارتي أبوظبي ودبي المولد وذلك مجالس الشيخات وبعض الأسر، ومن أقدم النساء اللاتي اشتهرن بقراءة المولد في إمارة أبوظبي زليخة بنت الشيخ أبوذينة.

المولد النبوي بعد الإتحاد

يعتبر يوم المولد النبوي الشريف من أيام الإجازات الرسمية في الدولة كما اهتمت حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة بالعناية بهذه المناسبة العظيمة وإقامة الاحتفالات فيها، وما زالت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف تقيم الاحتفال بالمولد النبوي كل عام ويحضرها الشيوخ والأعيان، كما تقيمه دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي.

وقد أعجب الحاضرون بالمعلومات التاريخية المعروضة والشعور بالفخر والانتماء لوطن أساسه التسامح والمحبة بشكل أصيل في هوية أهله، ومن ضمن التعليقات: “نشأ في ثقافتنا وموروثنا أنه لا يمكن أن نتصور عرس من دون المالد” هكذا عبرت الدكتورة حصة لوتاة أستاذة الإعلام بجامعة الإمارات، وختمت الأمسية بالدعاء للأمة الإسلامية والبشرية الإنسانية بحلول المحبة والسلام وإهداء ثواب سورة الفاتحة إلى روح الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله.

التجربة المغربية في إعادة الخطاب الديني للمنهج الأصيل

استضافت  مؤسسة التي تُعنى بإعادة صياغة الخطاب الإسلامي المعاصر وتقديم الأبحاث والاستشارات في أبوظبي الأستاذ الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمّدية لعلماء المغرب حيث ألقى محاضرة في خيمة طابة الفكرية عنوانها “التجربة المغربية في إعادة الخطاب الديني للمنهج الأصيل.

وقد أشار في حديثه النافع الماتع إلى أنّ هذه التجربة هي قصة عبور من هندسة فكرية إلى إعادة حالة مضطربة إلى نصابها ونظامها وأصالتها يتجدد فيها خطاب لا ينفصل عن مقاصده وغاياته ومناهجه وبرامجه. وهذه الهندسة سداسية الأبعاد تبدأ بولاية الأمر التي من مهامها أن تكون حاسمة في إحلال السلم؛ ثم المجلس العلمي الأعلى الذي تفرع عنه مجالس علمية عديدة، والمعني بالإرشاد والفتيا: الإرشاد وفق أصول مرعية جرى عليها العمل، والفتيا يقوم عليها المجلس العلمي للإفتاء حصرًا ويرأسه ولي الأمر لضمانة ألا تزيح عن سكّة الأصول المقررة. وتشرف هذه المجالس العلمية على تكوين مستدام للأئمة وتأهيلهم ضمن إطار خطة ميثاق العلماء. وتشرف هذه المجالس أيضًا على الدروس في المساجد حتى لا يصير حبلها على غاربها.

وقد آل الأمر بالمجالس العلمية إلى الإشراف على جميع المعاهد الشرعية، وأنيط بها تجديد القرويين؛ ولها عناية بالنظر في السياق وتضاريسه، فقامت الدراسات السياقية وهي مستمرة، وقد اعتنت بالبعدَين الشرعي والواقعي.

وأنيط بالرابطة المحمّدية لعلماء المغرب مهام جسام عبر 21 وحدة بحثية، منها وحدة لمكافحة التطرّف، ووحدات تعالج سلوكيات منحرفة شتى، وأخرى لبناء القدرات، وإعداد جيل متجانس من المثقفين والعلماء وفق دلائل تكوينية. ومن ذلك أيضًا وحدة “باللوح والقلم” التي تعتني بالأطفال وتجمع أبناء الأمراء بأبناء الملاجئ على بساط واحد. وقد أفادت هذه الوحدة ببرامجها المدروسة كثيرًا، فلديها 35,000 مقالة كتبها أطفال لأطفال. وفي ذلك حماية للنشء والأجيال من أن يجتالهم أهل الزيغ والضلال والأفكار المريضة والتطرّف.

وشدّد الدكتور عبادي على ضرورة تفكيك الشعارات والدعاوي الكبيرة التي تجذب بها داعش الشباب وبيان ضلالاتهم وقبح انحرافهم وأنّهم وفق التعبير النبوي مارقون من الدين؛ وذلك بالنظر إلى المقاصد الشرعية الكبرى وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، التي يقفون منها موقف المنتهك والمتعدّي والجاني.

وذكر المحاضر أن المملكة المغربية تبذل الوسع في رعاية هذه المقاصد العالية بتفعيل وظيفة الدولة ومهامّها بضمان أمن الناس ورعاية سلامتهم والنهوض بكافة أحوالهم وشؤونهم.

وقد تفاعل الحضور بمداخلات واستفسارات قيمّة تركّزت على الإفادة بسبل الاستفادة من التجربة المغربية ودور المجتمع بكافة مستوياته في التصدّي للتطرّف ودور العلماء بالتصدّي الفكري المركّز لأطروحاته، ورعاية شباب الأمة من الانزلاق في كمائن أهل الزيغ والضلال والغلو، بإبراز البناء الأصيل للدين ومقاصده الذي تأسس منذ عهد النبوة على الرحمة والجمال وتنمية الطاقات واستثمارها في الخير والعطاء والعلم والنماء.

وقد كان من بين الحاضرين علماء ومستشارون وسفراء ودبلوماسيون وباحثون وإعلاميون، منهم فضيلة السيد علي الهاشمي مستشار رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة للشؤون الدينية والقضائية، مستشار الشؤون الدينية لرئيس جمهورية الشيشان آدم شهيدوف، وفضيلة الشيخ أسامة الأزهري مستشار الشؤون الدينية لرئيس جمهورية مصر العربية، وخطيب جامع القرويين د. إدريس الفهري، ود. أحمد ممدوح أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، ووفد رفيع المستوى من المجمع الصوفي العام بالسودان، وعدد من أصحاب السعادة السفراء ونوابهم منهم سعادة سفير المغرب محمد آيت وعلي، وسفير تونس حاتم الصائم، وسفير ليبيا د. عارف نايض، وسفير جزر القمر سيد عبدالله باعلوي، وعدد من منسوبي مراكز الأبحاث والدراسات في الدولة، ومن ضمن المداخلات في اللقاء تعقيبان لكل من د. منى البحر عضو المجلس الوطني السابق، ود. حصة لوتاة أستاذ الإعلام بجامعة الإمارات.

مواقف جيل شباب الألفية المسلم من الدين وعلمائه

الحبيب علي الجفري:
من أهمّ أهداف طابة إعادة تأهيل الخطاب الإسلامي المعاصر من أجل الاستيعاب الإنساني.
نرحب بالمؤسسات البحثية والدينية في الدولة للتعاون فيما يمكن عمله في ضوء نتائج الاستبانة.
ما بعد الاستبانة: إكمال المشروع ليشمل بلدانًا عربية وإسلامية أخرى، وعقد ورش عمل للنظر في خطوات عملية.

جيمس زغبي:
من أسباب العنف والتطرّف تهميش الشباب ودورهم في المجتمع.
لا بد من الحديث مع الشباب بدل الحديث عنهم بلغة تنسجم مع تحديات الواقع الذي يعيشون فيه.
يتوقع الشباب من علماء الدين الكثير، ولا ينشدون إصلاحًا في الدين ولكن في لغة الخطاب الديني.
عباس يونس:
تؤيد النتائج ما كان يشعر به كثير من العلماء والدعاة من أننا على وشك تحوّل كبير في المشهد الديني عند جيل الشباب.
لا يمكن تصنيف جيل الشباب اليوم تصنيفًا واحدًا كما كان الحال في الأجيال السابقة.
هذا الجيل يهتم بأكثر جوانب الدين أهمية وعمقًا، وهو جيل يتفاعل مع محيطه ولا يهاب من التعبير عن الخلل الذي يشهده في الخطاب الديني.

أطلقت أمس مبادرة الدراسات المستقبلية في مؤسسة طابة نتائج استطلاع حول مواقف الشباب العربي المسلم من الإسلام وعلمائه؛ وهو استطلاع يعدّ الأول من نوعه نفّذته مؤسسة طابة بالتعاون مع مؤسسة زغبي للخدمات البحثية في ثمانية بلدان عربية هي الأردن والإمارات والبحرين والسعودية وفلسطين والكويت ومصر والمغرب، حيث قابلت وجهًا لوجه 5,374 شابًا وشابّة أعمارهم بين 15-34.

حضر الندوة عدد من السفراء والدبلوماسيين العرب من الدول التي شملها الاستطلاع ومن دول أخرى مهتمة بشؤون الإسلام والمسلمين، وعدد كبير من المثقفين والإعلاميين والمسؤولين في المؤسسات المجتمعية في الإمارات إلى جانب علماء ودعاة وجمع من الشباب.

استعرض الدكتور جيمس زغبي مدير مؤسسة زغبي للخدمات البحثية أبرز نتائج الاستطلاع. ومن ذلك أنّ الإمارات ومصر والمغرب من أكثر الدول رفضًا لحركات كداعش والقاعدة،؛ وأنّ الشباب، لا سيما في السعودية ومصر والكويت، يتوقّعون دورًا مهمًّا للدين في بناء مستقبل المنطقة؛ وأنّ الدين عنصر بارز في هويتهم ويريدون أن يُعرَفوا به؛ وأنّ كثيرًا منهم يجد تحدّيًّا في الحفاظ على هويته الدينية في المجتمع؛ وأنّهم يرون أهم جوانب الدين العيش وفق الأخلاق والآداب الإسلامية ثم القضايا السياسية التي تواجه المجتمعات المسلمة؛ وأنّهم يرون دورًا للدولة في التدخّل في الحياة الدينية لا سيما في ضبط الخطاب الإسلامي وضمان خلوّه من التحريض على العنف والكراهية؛ ويرون أنّ مجتمعاتهم تفتقر إلى عالمات وداعيات في النطاق العام؛ وأنّ الحركات المتطرفة كداعش والقاعدة انحراف كامل عن دين الإسلام.

ثم تحدثت الدكتورة حصة لوتاه عن أهمية دور الإعلام في توجيه الاستطلاعات والاستبانات، وأنه الوسيلة للوصول إلى الشباب بإبراز العلماء وكسر حواجز التواصل بين الأجيال وخلق تفاهم عام بينهم. وذكرت أن الدين في الماضي كان حاضرًا بقوة في سلوك الناس وكذلك في التعايش مع الآخر، أكثر من كونه مظهرًا خارجيًّا.

وأضاف عباس يونس مسؤول مبادرة الدراسات المستقبلية في مؤسسة طابة، أنّ الشباب يثقون في المفتين والعلماء المؤهلين باعتبارهم أصحاب الحق في بيان أمور الدين ولكنّهم لا يذهبون بالضرورة إلى مراكز الفتوى حيث يتواجد العلماء حينما تكون لديهم أسئلة عن الدين؛ وهم يرون دورًا بارزًا للدين وفي الوقت نفسه لا يهتمون بطلب العلم الشرعي. وهذه شؤون تحتاج إلى دراسة ونظر للوقوف على تشخيص صحيح لأسبابها.

وختم الندوة الحبيب علي الجفري بتأكيده أهمية التعاون والمضي قدمًا بخطوات عملية في سبيل الاقتراب أكثر من الشباب وفهمه وإدراك ما يعانيه في هذا الزمن الحائر كي يسهل على الدعاة الأخذ بأيديهم إلى برّ الأمان فلا تتخطّفهم تجاذبات التطرّفين الديني أو اللاديني. ولفت النظر إلى خطورة أن يوجد 1% من الشباب يؤيّدون جماعات متطرّفة كداعش، وأنّ هذا يحتاج إلى عمل وجهد لمعالجته. وأشار إلى أهمية أن يكون العلماء والمسؤولين واعين لما ينبغي أن تكون عليه هوية الشباب في المستقبل. وقال إنّ هذه الدراسة هي بداية، وأنّ النية التوسع للقيام بمزيد من الاستطلاعات في بلدان أخرى، مع أهمية إقامة ورش عمل لتدعيم العمل على النتائج. ودعا إلى التعاون بين الجهات الحكومية والمؤسسات الدينية والمثقفين من أجل تفهم واقع الشباب، لأنّ “الحكم على الشيء فرع عن تصوّره”، وأنّه لا بد من العناية بالخطاب والمخاطِب والمخاطَب. وفي الختام شكر دولة الإمارات العربية المتحدة إذ تخطط وتعمل ضمن رؤية مستقبلية استراتيجية لعام 2030، في الوقت الذي لا تزال بعض الدول تناقش ملفات من خمسين عام مضت.

يمكن الاطّلاع على الدراسة عبر الموقع الالكتروني باللغتينhttp://mmasurvey.tabahfoundation.org

دروس من شرق آسيا؛ هل ينبغي أن ينعطف العالم العربي إلى الشرق؟

استقبلت مؤسسة طابة هذا الأسبوع الدكتور شاوجِن تشاي، باحث أول في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دولة الإمارات ومحاضر سابق في جامعة زايد وجامعة الشارقة الأمريكية، لإلقاء محاضرتين حول نماذج ثقافية محلية من شرق آسيا وما واجهته دولها من تحديات في الحفاظ على الهويات الثقافية والقيم المحلية خلال عملية التحديث والتنمية.

فقد مرت الصين خلال القرن العشرين بتجربتي الثورة الشيوعية والثورة الثقافية اللتين أرادتا إحلال أفكار حديثة محل مظاهر “الثقافة القديمة” بما فيها النطاق العملي للكونفوشيوسية. وبعد محو هذه المظاهر الروحية للعالم القديم تصدّر المشهدَ تنازع قوى الشيوعية والقومية والرأسمالية والفردانية؛ إذ اعتقد كثير من الثوريين الصينيين أنه لا سبيل لتحقيق الحداثة إلا بالتخلّص من المفاهيم الروحية القديمة.

غير أنّ الدكتور شاوجِن تشاي يرى أنه قد حصل إحياء للقيم الكونفوشيوسية التراثية في شرق آسيا على الرغم من المساعي الرامية إلى إزالة الفكر الديني المحلي. ففي اليابان، ثالث أكبر اقتصاد في العالم، ازدهر الاقتصاد والقيم التراثية مندمجة بعالَم الأعمال. وكوريا الجنوبية صارت على الرغم من التأثيرات الغربية قوة اقتصادية متنوّعة مع رغبتها الواضحة في الحفاظ على القيم التراثية والروابط العائلية التقليدية.

ومع أنّ الصين قد قُمِع كثير من تراثها الديني إلا أنّه بدأ يشهد انبعاثًا من جديد. فقد سُمح في الريف الصيني بحكم ذاتي محلي، وهو ما يتباين بشدّة مع مبادئ الحكم في الأيديولوجية الرسمية للدولة. وقد أظهرت مؤخرًا دراسات حول تأثير القيم التراثية انحسارَ الفساد في القرى التي تحافظ على القيم الدينية، وأنّ سكان المدن صاروا يميلون أكثر إلى الدين والروحانية.

وقد ذكر الدكتور شاوجِن تشاي أنّ شعب الصين لا يزال يحنّ إلى المعاني الروحية على الرغم من سعي نماذج العلمانية الغربية لملء الفراغ الروحي بالرفاهية المادية.

وفي ختام محاضرته اقترح الدكتور شاوجِن تشاي استقصاء أنماط شرق آسيوية للتنمية حيث إحياء التراث والحفاظ عليه محل تقدير، فقد يكون في ذلك نموذج بديل للعالم العربي وهو يناضل لمقاومة الانجراف الثقافي وسط ضغوط أنماط التنمية الغربية.

“فإن أي أمّة تصبو إلى التقدّم عليها أولاً أن تفهم ثقافتها الخاصة”. وبما أنّ نماذج التنمية في أي سياق غير كاملة فيمكن أن يستخدم العالم العربي نموذج الشرق ليكون متنبّهًا للتنمية الذاتية. وإنّه يجب الحفاظ على الهوية مع التقدّم، سواء كانت في اللغة أو الدين.

جاءت هذه المحاضرة باعتبارها جزءًا من مبادرة الدراسات المستقبلية في مؤسسة طابة.

ندوة للشيخ ناجي العربي بخيمة طابة الفكرية

استضافت خيمة طابة الفكرية في مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات بمقرها في أبوظبي محاضرة ألقاها الشيخ د.ناجي العربي أستاذ الفقه والحديث في جامعة البحرين، تناولت المحاضرة دور المنهج الأزهري لإعادة بناء المجتمعات بعد الفتن، وأن الأفكار المتطرفة مدعومة من أعداء الإسلام، الذين استمالوا الناس بالمال والشهرة، كما اجتذبوا الشباب والناشئة، إلى التجرؤ على شرع الله، والتشكيك في علماء الأمة، بحيث انقلبت الثقافة ليصبح المعيار في الجودة هو المخالفة للدولة، والمخالف لها شجاع! وأصبح العالم الشجاع هو الذي يستطيع أن يهاجم، وليس غيرة على شريعة الله، وأصبح الشرع يستخدم على نحو مسيء، وبينت أن الأزهر قادر على مواجهة تلك الأفكار، ويحتاج إلى دعم المؤسسات العلمية في عالمنا الإسلامي، والعربي، مؤكدين أن الأزهر وحده هو من تصدى للمواجهة، وقاد المعركة ضد التكفيريين.

وأكد فضيلة الدكتور ناجي بن حسن العربي، الأستاذ المساعد بجامعة البحرين، أن الأمة تمر بمراحل عصيبة، خاصة مع فريق يتلاعب في الدين باسم الدين، لافتاً إلى أن من ادعى الإصلاح علناً هم المنافقون.

وقال، إن الأزهر ومؤسسات العلم وحواضره يمثلون صمام الأمان للمنهج والفكر على قاعدة لا إفراط ولا تفريط، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، لافتاً إلى أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت نزول الأزهر إلى الشارع، وألقى بثقله في المعترك، مؤكداً أن الأزهر في قلب الحدث ولا يمكن لأحد أن يختط خطاً إلا وقطعه الأزهر عليه، وهو ما وفق له الإمام الأكبر الذي دفع بالأزهر إلى صدر المواجهة، ضد كل التيارات التي تصطدم بثوابت الدين، وهي خطوة مباركة للأزهر تجاوز بها بقية المؤسسات الدينية.

ولفت إلى أن الأزهر تحمل الموقف وحده، في حين أن هناك مدارس لم تقم بأي دور، وقال إن الأزهر ينظر إلى ما يحدث بأنه فتنة هو مسؤول عن إطفاء نارها، وفي السابق لم يتحمس الأزهر لهذه الأمور، مشيراً إلى أن الأزهر وضع تصور يؤكد دور الأزهر للتأصيل والتصحيح للفترة الذي نشهدها بعد تلاشي ما يحدث في المنطقة، وصياغة أسس علمية متينة ومشوقة للمراحل الابتدائية، وبقية المراحل الدراسية.

وفيما يتعلق بقدرة الأزهر على مواجهة تلك الأفكار لوحده، قال إنه قادر بإذن الله وأكثر من ذلك، أما عن كيفية اجتذابهم للشباب، فإن البناء الصحيح يحتاج إلى نظم غير عشوائية، وجهد، أما من يشيد بناءه على قاعدة هشه فإنه سيتهاوى، وهذا هو الفرق بين الأزهر بعلومه، وثوابته، وبين الأفكار المتطرفة.

وأكد الحبيب الجفري رئيس مؤسسة «طابة»، أن مواجهة التطرف أصبحت قاسماً مشتركاً بين أهل العلم وأولياء الأمر في الدول العربية والإسلامية، وأن أولياء الأمر مهمتهم الأمان والنماء في بلدانهم، لافتاً إلى أن العلماء مهمتهم حفظ أديان الناس وتهيئتهم لعمارة الأرض، والتحقق بالعبودية لله وتحقيق معنى الخلافة الراقي الذي ﻻ ينحصر في الحكم، أي حمل الأمانة في هذه الأرض.

 

*  الخبر بتصرف من صحيفة الاتحاد
* الخبر على موقع هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية

كيف تختطف الجماعات المتطرّفة الشباب؟

انعقدت ندوة رمضانية في خيمة طابة الفكرية بمقر مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات في أبوظبي، حيث ألقى رئيس مجلس إدارة المؤسسة الحبيب علي زين العابدين الجفري محاضرة بعنوان “كيف تختطف الجماعات المتطرّفة الشباب”؟

بيّن الحبيب علي في حديثه المداخل النفسية والفكرية والشرعية التي يتسلل أصحاب الفكر المتطرف منها إلى الشباب لاستقطابهم، مستغلّين مواطن ضعف ألمـّت بالأمة وشبابها، لا سيما الأمّية الدينية، وظروفًا مواتية لبثّ دعاويهم البرّاقة. وما يجب على المجتمع بشتى مستوياته وفئاته لمواجهة هذا الفكر وهذه النفسية. وقد تناول هذا الموضوع الشائك عبر محاور خمسة:

1. الأمة: إذ تعاني من مواطن ضعف منهكة محبطة يندرج تحتها خمسة عناصر أساسية هي:
‌أ. الاحتلال والشعور بافتقاد الكرامة
‌ب. وجود أنظمة ظالمة فاسدة مضطهدة
‌ج. التخلّف العلمي والاجتماعي والثقافي واستهلاك الفكر بدلاً من المشاركة في إنتاجه
‌د. الحالة الاقتصادية المتردية والفقر
‌ه. الفرقة والشقاق.

فهذه العناصر انعكست على نفسية شباب الأمّة فصارت في كثير من الأحيان نفسية متبرّمة ذات قابلية للانفلات من الضوابط ومشحونة بالبغضاء للمخالف وعدم قبول التنوّع، وذلك من جرّاء شعور الشباب بالضعف والعجز عن استرداد المقدّسات ونقص الكرامة والتبعية والإحساس بالهزيمة أمام الهيمنة الأمريكية والغربية مع ما أثقل كاهلهم من ألوان الفقر والاستبداد والقمع. وهذه العوامل عمل المتطرّفون على استغلالها أيما استغلال إذ سوّغوا للشباب الخروج على الحكام لتغيير الواقع المتأزّم واستعادة الكرامة والحقوق.

2. الدولة والمجتمع: وفيهما مظاهر سلبية تتضمّن عناصر خمسة هي:
‌أ. افتقاد الرؤية الناضجة لمستقبل الهوية الدينية عند الشباب
‌ب. النظرة إلى الخطاب الديني بأنّه مشكلة وليس حلًّا
‌ج. إقحام الخطاب الشرعي في لعبة التوازنات السياسية
‌د. التفكك الأسري وإهمال الأبناء مع العجز عن التعامل مع اقتحام العولمة لخصوصيات المجتمعات
‌ه. ضعف التعليم.

فإنّ تديّن الشباب في الغالب لم يُبنَ على أساس واعٍ متّزن من الفهم السليم للدين الذي كان مرتبطًا بالأخلاق والتعامل الراقي والرحمة؛ فصار منبتًّا عن منابع رفده الصحيح وتحوّل إلى مشاعر مختلطة من ردّات الفعل والشدّة والرعونة إذ غدت هوية التديّن غير واضحة المعالم، لا سيما في ظلّ إهمال الأبناء في توريث الأخلاق الراقية وحسن النظر والفضائل والقيم المستمدّة من نبيّ الأمّة ﷺ. واستُغلت هذه الحالة المتخبّطة في الاستقطاب السياسي وتأجيج المشاعر.
واقتحمت العولمة خصوصيات المجتمع المسلم وأثّرت على الأطفال والشباب بما أتاحت لهم من مواد ووسائل ذات تأثير سلبي على سلامة الفطرة والنظرة. ولم يتحصن الشباب بتعليم بنّاء متين منسجم مع الأصالة والمعاصرة ولم يتمكّن من أدوات تعليم قوية ناهضة.

كلّ هذا جعل الشباب عرضة للانجذاب إلى دعاوى المتطرّفين من حيث فراغ جعبتهم من الموروث الديني السليم ومن ثمّ افتقادهم لحسن الاستبصار.

3. الشباب: فهو يتقلّب في أحوال سلبية من عناصر خمسة هي:
‌أ. الأمّيّة الدينية
‌ب. أزمة الهوية
‌ج. ثقافة العصر في استعجال النتائج
‌د. الارتباك حيال الأصوات الصاخبة لخطاب التطرّف الديني واللاديني
‌ه. العجز عن التعامل مع الانفتاح وانتشار “ثقافة الحرية”.

يعاني الشباب من أمّيّة دينية تجعلهم عرضةً لفهم سقيم للدين وأهله، فلم يعد يتلقى الأطفال كما في الماضي نصيبًا وافيًا من تعلّم القرآن والأخلاق والهدي النبوي الشريف. وحتى في المدارس لم تعد المناهج الدينية تفي بمدّ الطلاب بالمعلومات الأساسية الدينية الشاملة. فقد عمدت بعض الدول بعد أحداث 11/9 إلى حذف مقرّرات مهمّة من مادّة الدين ومنها الجهاد، فصار الشباب غير مدركين لأحكام الجهاد، مما حدا بكثير منهم إلى سهولة الانسياق دون بصيرة إلى دعوات الجهاد التي يبثّها الغالون المتطرّفون، وصاروا متقبّلين للمسوّغات المضللة التي يروّجها أولئك. هذا إلى جانب ما يعيشه كثير من الشباب من أزمة هوّية سببها عدم التوفيق بين معطيات الحداثة والهوّية الدينية أسلمتهم إلى صراع ربما يحملهم على قابلية الاختطاف من قبل التنظيمات المتطرّفة؛ لا سيما وثقافة العصر المتسمة باستعجال النتائج والتغيير تميل بكثير منهم إلى التمرّد وثقافة البتر على حساب المعالجة والإصلاح.

والأصوات المرتفعة لخطاب التطرّف الديني واللاديني يحيّرهم ويزجّ منهم في أتون أحدهما، إذ التطرّف الديني يكرّ على مخالفيه بطريقة الخوارج الإقصائية، والتطرّف اللاديني يقفز من نقد الممارسة الدينية والفكر إلى النيل من المقدّسات والحطّ من قدرها.

وعامل آخر هو العجز عن التعامل مع ثقافة الانفتاح الوافدة مع ما فيها من أحمال دخيلة وما جاء معها من مفهوم غريب للحرية. فهذا خلق صدامًا قويًا عند فريق من الشباب وتقبلاً بلا مراجعة عند فريق آخر، وكلُّ ذلك لغياب النظرة الكونية السليمة الصحيحة، وهي النظرة التي تعتبر حقيقة الحرية بدايةً التحرّر من أسر الشهوات ورغبات الأنا. فهذا العجز أفضى إلى تعصّب مفرط أو غفلة مفرطة فتحت المجال للتمرّد على القيم باسم الحرية.

4. الخطاب الشرعي: ففي كثير من الأحيان يعاني الخطاب الشرعي من ضعف وتأخّر في خمسة عناصر هي:
‌أ. التجديد في المحتوى واللغة
‌ب. معرفة أسئلة العصر التي تشغل بال الشباب
‌ج. مجاراة مؤسسات الخطاب الشرعي لإمكانيات المتطرّفين المالية والمؤسسية والإعلامية
‌د. قدرات العمل الشرعي المجرّد بالمقارنة مع قدرات العمل السرّي المنظّم
‌ه. منتجات مؤسسات التعليم الشرعي.
فالشباب الأمّي في دينه يشعر بحواجز بينه وبين مفردات الخطاب الشرعي، بينما خطاب المتطرّفين سطحي بسيط مادته آية أو حديث مع تأويل فاسد. وكثير من الشباب لديه أسئلة متعلّقة بهذا العصر لم يوفّق في كثير من الأحيان الخطاب الشرعي في وضع إجابات عنها، هذا بالإضافة لضعف إمكانياته المالية والتقنية وقدراته مقابل ما لدى العمل السرّي المنظم من قدرات وإمكانيات.

5. التنظيمات المتطرّفة: ولها عناصر خمسة تتحرّك بها:
‌أ. استغلال الأوضاع التي تعاني منها المحاور الأربعة التي سبق ذكرها
‌ب. منطلقاتها السبعة: الحاكمية والجاهلية والولاء والبراء والفرقة الناجية والاستعلاء وحتمية الصدام والخلافة والتمكين
‌ج. غرس العقلية التصادمية الأحادية وتوظيف الفتنة الطائفية
‌د. افتعال الصراعات والزج بالشباب فيها ثم ابتزازهم بالمظلومية
‌ه. حيازة إمكانيات إعلامية واحترافية في وسائل التواصل الاجتماعي.
فالتنظيمات المتطرّفة تستغل عند الشباب الأمية الدينية والنفسية المحبطة والحالة الاقتصادية والفقر وجور بعض الأنظمة وصراع الهوية والظروف المؤدية إلى ضعف تأثير الخطاب الشرعي المعتبر. وتنطلق في حركتها من تكفير الحاكم على أنّه لم يحكم بما أمر الله، تحريفًا منها للمعنى المعتمد عند أهل السنّة للآية التي يستشهدون بها في ذلك. ويعدّون المجتمع الذي رضي بهذا الحاكم مجتمعًا جاهليًّا يلزم البراء منه، والولاء لأمثالهم، بتكفير مخالفيهم واعتبار أنفسهم الفرقة الناجية دون غيرهم، مما تسبب في استحلال سفك الدماء. وقد حرّفوا معنى قول الله تعالى: “وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” بمفهومٍ للاستعلاء يزدرون به غيرهم. ويرون، والحالة هذه، حتمية الصدام إذ لا يستقيم دين أحدهم إلا إذا اصطدم مع المجتمع برؤية تكفيرية إقصائية له؛ بعد ذلك يتحقق لهم التمكين والخلافة.

وفي سبيل الوصول لأغراضهم يقومون بالتعبئة التصادمية وافتعال الصراعات وتوظيف الفتنة الطائفية وصناعة المظلومية بالكذب والتهويل، وذلك بما يمتلكون من إمكانيات إعلامية واحترافية في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتأثير على الشباب.

وفي ختام الندوة أكّد الحبيب علي ضرورة علاج الأمّيّة الدينية ومحوها عند الشباب عبر المدرسة والمسجد والإعلام والأسرة والمجتمع، إذ الحاجة الماسّة تدعو إلى زيادة جرعة الوعي الديني وتمكين الفهم السليم للدين على يد أربابه من الوصول إلى الشباب؛ وأنّه من الأهمية بمكان القيام بحوار مجتمعي ونقاشات لتبيين الخلل الشرعي والفكري والمنهجي عند المتطرّفين، وإضاءة عقول الشباب بمعرفة السبل الصحيحة لأخذ الدين من أهله المعتبرين بالمناهج الموروثة كابرًا عن كابر.

وفي نهاية اللقاء دعا الحبيب علي للشيخ زايد بن سلطان بالرحمة والمغفرة، إذ كانت وفاته في مثل هذه الأيام في رمضان، وذكر أياديه البيضاء وآثاره الحميدة لا سيما في خدمة القضية الفلسطينية، فهو القائل: “ليس البترول العربي بأغلى من الدم العربي”، إذ أقام مشاريع إسكانية وخيرية عديدة في القدس وعموم فلسطين. وذكر أنّ ما يعرفه أهل الإمارات ومن عاشوا فيها من الذين يدركون لماذا يُذكر دائمًا، رحمه الله، بالثناء الحسن، فقد أعطى الإنسان، المسلم وغيره، وبنى وشيّد وامتدت أريحيته في شتى البقاع، طيّب الله ثراه ورفع درجاته في الجنّة.

 

التسامح والتعايش في القرن الحادي والعشرين من أبوظبي

في أمسية حافلة بحضور متنوع الفئات وافر العدد، وبرعاية كريمة من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، نظمتها مؤسسة طابة للأبحاث والاستشارات بالتعاون مع سفارة كندا في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث استضافت د. جون مورو وهو باحث كندي يعمل محاضرًا في جامعة آيفي تك بأمريكا وهو رئيس منظمة المعاهدات، باعتباره المتحدث الرئيس في الأمسية التي عقدت مساء الثلاثاء العاشر من شهر مارس في مسرح فندق انتركونتيننتال أبوظبي. وكان من أبرز الحضور فضيلة الشيخ د. أحمد الكبيسي و فضيلة الشيخ د. أحمد عبد العزيز الحداد و سعادة عارف لالاني سفير كندا في أبوظبي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة طابة الحبيب علي زين العابدين الجفري وعدد من الدبلوماسيين والأعيان في المجتمع.

افتتحت الأمسية بجولة في معرض ضمّ عددًا من صور الوثائق والمخطوطات التي وجدها د. جون مورو في بحثه. وقد تحدث ضيف الأمسية د. جون مورو في كلمته عن معاهدات الرسول عليه الصلاة والسلام مع أهل الكتاب منذ صدر الإسلام وذكر أنّها ظلت مرعية في عهد الخلافة الراشدة، ثمّ الأموية فالعباسية، وكذلك من جاء بعدهم من الدول انتهاء بالخلافة العثمانية، مشيرا إلى أن تلك المعاهدات مثلما وجد عدد منها في المصادر الإسلامية فإنه قد وجد أعداد أخرى منها في مصادر مسيحية بالعربية ومترجمة إلى لغات كاللاتينية والإغريقية والآشورية والفارسية. وأشار د. جون مورو أيضًا في كلمته إلى أن معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم مع نصارى نجران وفارس والنصارى الآشوريين والأرثوذكس وأقباط مصر ونصارى الحبشة تؤكد جميعها قيم التسامح والمساواة والتعايش السلمي بين الجميع في خطوة متقدمة لحقبة زمنية لا تقبل التعدد.

ثم عقب رئيس مجلس إدارة مؤسسة طابة الحبيب علي الجفري على كلمة مورو ومما جاء فيها: إننا اليوم أمام منعطف تاريخي غير مسبوق في تاريخ المسلمين حيث إن هناك من ينسب ما يحدث من الجرائم والتصرفات الشاذة إلى كتاب الله وسنه النبي صلي الله عليه وسلم، وهذا أمر محرم ولا يجوز، و لا يوجد ما يسمى بالإسلام المعتدل لأنه ليس هناك إسلام متطرف، بل هناك مسلمون معتدلون ومسلمون متطرفون، ثم تحدث فضيلة الشيخ أحمد الكبيسي وسعادة عارف لالاني سفير كندا في الإمارات العربية المتحدة. هذا وقد تفاعل مع الحدث مغردون عبر شبكات التواصل الاجتماعي في موقع تويتر من خلال وسم الفعالية “هاشتاغ” #المعاهدات_النبوية للمتحدثين باللغة العربية وهاشتاغ #CovenantsUAE باللغة الإنجليزية.

كما أقامت مؤسسة طابة عددًا من اللقاءات النقاشية المتخصصة التي هدفت إلى فسح المجال للحاضرين من ذوي الاختصاص لمناقشة المادة المطروحة على نمط الطاولات المستديرة مع ضيفها د. جون مورو حول ذات الموضوع، فعقدت طاولة مستديرة للسادة العلماء وطلبة العلم الشريف، وأخرى للدبلوماسيين من الدول العربية، وطاولة مستديرة للدبلوماسيين من غير الناطقين بالعربية، وأيضا لقاء للأكاديميين والمثقفين العرب، وشملت الأنشطة لقاءين تلفازيين: مساء يوم الأربعاء على قناة سكاي نيوز عربية ضم د. جون مورو والحبيب علي الجفري، ولقاء على قناة العربية استضاف د. جون مورو. وقد زار معالي الشيخ نهيان بن مبارك في مجلسه الحبيب علي الجفري ود. جون مورو الذي أهداه نسخة من إحدى صور المعاهدات النبوية.

ومؤسسة طابة حرصت على إقامة هذه الأنشطة والفعاليات المتنوعة انطلاقًا من رسالتها “لإعادة تأهيل الخطاب الإسلامي المعاصر للاستيعاب الإنساني”، ولإيصال رسالة عالمية أن التسامح والتعايش واحترام الأديان والإنسان والمجتمعات غير المسلمة في المنطقة هي دعوة أصيلة بدأت منذ عند النبي ﷺ، وأن ما نراه اليوم من قتل وذبح للمسلمين وغير المسلمين باسم الاسلام إنما هو تحريف لما قاله النبي ﷺ وأمر به وانحراف عنه.

روابط متعلقة

فيديو الإعلان عن المحاضرة

– خبر صحفي: خارطة طريق من أبوظبي لـ«التسامح والتعايش» – جريدة الاتحاد

– خبر صحفي: الجفري يـــوصي بتكــوين جبهة موحدة لتفكيـك الفكـــــر الظلامي– جريدة الرؤية

– خبر صحفي: العودة إلى جذور الإسلام ضرورة لتقدم الأمة – البيان

– خبر صحفي: Lecture in Abu Dhabi stresses awareness about true Islam– The National

– خبر صحفي: Islam is not against other religions, says scholar – Khaleej Times

فيديو مقابلة سكاي نيوز العربية

– نص مقابلة قناة سكاي نيوز العربية

فيديو لقاء قناة العربية